معضلة سعر الصرف وقانون الفجوة الماليّة

معضلة سعر الصرف وقانون الفجوة الماليّة -- Dec 29 , 2025 60

يهدف مشروع قانون «الإصلاح المالي واسترداد الودائع»، المعروف باسم «قانون الفجوة المالية»، في صميمه، إلى معالجة خلل مالي ضخم يتجاوز 70 مليار دولار، وهو الفارق بين ما يملكه المودعون من حقوق، وبين الأصول الفعلية المتاحة لدى مصرف لبنان والبنوك التجارية. وبينما يقف لبنان على أعتاب عام جديد وفي سباق مع الزمن، دفع رئيس الحكومة نواف سلام على إقرار هذا المشروع، وهو ما حصل في جلسة الجمعة الماضية. ويُعلّل مؤيدو هذا القانون الإسراع في إقراره، بأنه الحل المنتظر لأزمة مصرفية كارثية، يسمح بتأمين دعم مالي من صندوق النقد الدولي، ويفتح الباب أمام إستثمارات ومُساعدات قد تأتي من دول عديدة صديقة للبنان.

إلا أن مشروع القانون هذا، وعلى الرغم من ضرورة إقراره نظرا لأنه يُشكّل شرطا أساسيا من شروط صندوق النقد الدولي لتوقيع إتفاق مع الحكومة اللبنانية، يصطدم بتداعيات مُحتملة قد تكون كارثية لعقودٍ قادمة على عدة مستويات، خصوصا سعر صرف الليرة اللبنانية التي لم تعد تخدم الاقتصاد، بل أصبحت أقرب إلى سلعة منها إلى عملة.

سعر صرف الليرة

لفهم التأثير المحتمل لقانون الفجوة على الليرة اللبنانية، لا بدّ من الرجوع إلى مبادئ الاقتصاد الكلي. فالتراجع الدراماتيكي في قيمة الليرة من نحو 1500 ليرة مقابل الدولار، إلى ما يقارب 90 ألف ليرة في غضون سنوات قليلة، لم يكن حدثا عابرا أو ناتجا عن الصدفة، بل انعكاس طبيعي لاختلالات عميقة في هيكلية الاقتصاد. ويُعدّ قانون الفجوة رهاناً دقيقاً، إما يُسهم في معالجة جذور هذه الأزمات، أو يدفع بها إلى مزيد من التفاقم. هذه المخاوف مُبرّرة بثلاث نظريات ماكرو- إقتصادية:

- أولًا : تنطلق «النظرية النقدية» لسعر الصرف من فكرة محورية، مفادها أن قيمة العملة المحلية تتأثر بشكل مباشر بحجم السيولة المتاحة منها في السوق، مقارنةً بمستوى السلع أو العملات الأجنبية المتاحة. بمعنى آخر، كلما ازدادت كمية الليرة اللبنانية المتداولة، دون ارتفاع موازٍ في حجم السلع أو توافر الدولار، انخفضت قيمتها أمام العملات الأجنبية لا سيما الدولار الأميركي.

وفي سياق قانون الفجوة، يبرز بند مثير للجدل يتعلق بكيفية صرف الأموال للمودعين. فرغم أن التفاصيل لا تزال قيد البلورة، تمّ الحديث عن مبالغ قد تصل إلى 1500 دولار شهريا لحسابات معينة، ولتمكين البنوك من تنفيذ هذه المدفوعات. ومع النقص الهائل بالدولار الأميركي، من المتوقع أن يلجأ مصرف لبنان إلى طباعة أو ضخ كميات إضافية من الليرة اللبنانية في الاقتصاد. وهنا تكمن المعضلة، إذ في ظل تآكل احتياطيات مصرف لبنان من العملات الصعبة، يصعب عليه موازنة هذا التدفق المتزايد من الليرات، بضخ مكافئ من الدولارات. والنتيجة المحتملة هي امتلاء السوق بالليرة، دون مقابل حقيقي من الدولار أو من الإنتاج المحلي.

وفي ظل غياب نمو في الإنتاجية أو تدفقات خارجية من العملات الأجنبية، يؤدي هذا الفائض في العرض النقدي إلى مزيد من التدهور في سعر صرف الليرة. وباختصار، كلما ازداد الاعتماد على الليرة لتمويل الالتزامات المالية، تراجعت قيمتها الفردية أمام الدولار، ما يعمّق أزمة العملة بدلاً من حلها.

- ثانياً : يُركّز «نموذج توازن المحفظة» على الطريقة، التي يُوزّع بها المستثمرون ثرواتهم بين أصول متنوّعة، مثل العملة المحلية، العملات الأجنبية، الذهب، أو العقارات، باستنادهم إلى تقييم مستويات العائد والمخاطر المرتبط بكل منها. وعندما ترتفع المخاوف بشأن أمان الأصول المحلية، يبدأ المستثمرون بالابتعاد عنها، ويتدفّقون بحثًا عن ملاذات أكثر أمانا، غالبا ما تكون مقومة بالعملات الأجنبية، كالدولار الأميركي.

وفي سياق قانون الفجوة، تُعدّ التصريحات العلنية لحاكم مصرف لبنان بشأن الحاجة إلى «مراجعة شاملة»، إلى جانب التهديدات المتكررة من جمعية المصارف بالإضراب، مؤشرات قوية تُنذِر بإرتفاع منسوب عدم اليقين في القطاع المالي. وقد عاش المودعون سنوات طويلة في ظل قيود صارمة على سحب أموالهم، ما جعلهم «حسّاسين» جدا لأدنى إشارات الاضطراب. فإذا ارتأى هؤلاء أن القانون الجديد يفتقر إلى العدالة، أو أنه غير قابل للتنفيذ، أو أنه لا يوفّر ضمانات كافية لإعادة الثقة، فإن ردّ فعلهم سيكون سريعا: سيسارع الأفراد والشركات على حد سواء، إلى نقل أصولهم من الليرة اللبنانية إلى الدولار.

هذا التحوّل الجماعي يخلق طلبا متزايدا على الدولار، مدفوعا برغبة المودعين في حماية مدّخراتهم في «ملاذ آمن». والنتيجة المباشرة لهذا الضغط الشرائي على العملة الصعبة هي مزيد من التراجع في قيمة الليرة، حيث يسعى السوق بشكل عفوي إلى إعادة توازن محافظه الاستثمارية لصالح الأصول الأقل خطورة، مما يضع الليرة تحت ضغوط تصاعدية حادة مقابل الدولار.

- ثالثًا : في الاقتصاد المعاصر، يُنظر إلى سلوك السوق، من خلال منظار «التوقعات العقلانية»، التي تفترض أن الأفراد والمؤسسات يدمجون كل المعلومات المتاحة، بما في ذلك التصريحات والخطوات الرسمية، لِيُكَوِّنوا توقعات دقيقة عن المستقبل، ثم يعكسون تلك التوقعات فورا في قراراتهم الاستثمارية وأسعار الأصول الحالية. وترى «نظرية الإشارة» أن تصرفات الجهات المؤثرة، لا تُعتبر مجرد قرارات إدارية فقط، بل إشارات ذات دلالة قوية يُفسّرها السوق على أنها مؤشرات عما هو قادم.

وفي حالة قانون الفجوة، يُرسل الجدل المستمر حول مضمونه، إلى جانب تحفظات حاكم مصرف لبنان على «الجدوى التنفيذية»، وغياب إعتراف رسمي من الدولة بتحمل جزء من الخسائر، رسائل سلبية صريحة إلى اللاعبين الإقتصاديين. فالمستثمرون والمودعون، الذين يتذكّرون سنوات من الإخفاقات والوعود غير المحققة، يبدأون فورا في احتساب احتمالات حدوث إخفاق آخر، سواء عبر تعطيل قانوني، أو نقص في التمويل، أو غموض في التطبيق. وينعكس هذا القلق مباشرةً في تقييمهم لليرة، التي تبدأ في فقدان قيمتها اليوم، استباقا لأزمات قد تحدث غدا.

وبالتالي، كل تأخير وكل خلاف سياسي، وكل إشارة توحي بعدم الجدية أو القدرة على التنفيذ، يُغذّي توقعات باستمرار الفوضى المالية، ما يدفع الأفراد والشركات إلى التحوّط مسبقا بالدولار، ظاهرة يُطلق عليها «الدولرة الاستباقية»، مما يزيد الضغط على سعر صرف الليرة ويُضعفها أكثر. أما في السيناريو المعاكس، فقد يؤدي الإقرار السريع لقانونٍ واضح، مموَّل بشكل موثوق، وقائم على أسس شفافة وعادلة، إلى فترة مؤقتة من الهدوء.

محاكاة لمصير الليرة

تشكل هذه النظريات الاقتصادية الركيزة الأساسية لنماذج الاقتصاد الكلي المستخدمة، للتنبؤ بتحركات أسعار الصرف. وقد قمنا بترجمتها في برنامج مُحاسبي إلى مؤشرات قابلة للقياس الكمي على النحو التالي:

- أولاً: سعر الصرف المرجعي الذي يعكس الوضع الحالي للتوازن في سوق الصرف.

- ثانياً: معدل نمو المعروض النقدي، الذي يعكس مبادئ النظرية النقدية.

- ثالثاً: مستوى الثقة وحالة عدم اليقين، اللذين يمثلان أدوات تحليلية مستمدة من نموذج توازن المحفظة ونظريات التوقعات العقلانية والإشارات.

- رابعاً: الصدمات الخارجية التي تُستخدم لتمثيل أحداث غير متوقعة، كالتصعيدات الجيوسياسية، أو قرارات سياسية مفاجئة.

أيضا تم أخذ ثلاثة سيناريوهات (أنظر إلى الرسم المُرفق):

- الأول : سيناريو «الوضع الراهن»: يفترض هذا السيناريو الموافقة على قانون الفجوة «من حيث المبدأ»، ولكن مع تأخير التنفيذ. تستمر الليرة في انخفاضها البطيء بنسبة 2-3% شهريا، نظرا لانخفاض مستوى الثقة.

- الثاني : سيناريو «النجاح»: على نحوٍ مُفارِق، قد ترتفع قيمة الليرة ارتفاعا طفيفا أو تستقر مبدئيا. مع ذلك، يُلاحَظ الانحدار التدريجي التصاعدي. يُمثِّل هذا «تكلفة السداد» - حيث يُجبر قانون الفجوة البنوك على دفع 1000 إلى 1500 دولار شهريا، مما يُؤدي إلى زيادة السيولة المحلية، ويُشكِّل ضغطا هيكليا على الليرة.

- الثالث : سيناريو «المأزق»: إذا أدّى تعثّر تنفيذ الخطّة، يُتوقع أن يكون هناك ارتفاع حاد لسعر صرف الدول مُقابل الليرة. وبدون تدخل مصرف لبنان، سيتمّ المضاربة على الليرة بشكلٍ عنيف، خصوصا في الأشهر الستة التي تلي الإقرار.

رحلة محفوفة بالمخاطر

القرار الذي إتخذه مجلس الوزراء في جلسة الجمعة الماضية ليس مجرد قرار روتيني، بل هي لحظة مصيرية قد ترسم مسار الاقتصاد اللبناني لعقودٍ قادمة. فمصير الليرة اللبنانية لم يعد مرهونا فقط بالأرقام أو المؤشرات، بل بثقة السوق في جدية الدولة وقدرتها على الوفاء بمسؤولياتها ضمن إطار قانون الفجوة، خصوصا في ما يتعلّق بإستعدادها لتحمل حصّتها من عبء الأزمة.

ومع إحالة المشروع إلى المجلس النيابي تتركّز الأنظار على اللجان النيابية لمعرفة التوجّهات الحقيقية للكتل السياسية، للخروج بحلٍّ جذري يُعيد الثقة ويوطّد الاستقرار، لا أن يُغذّي سيناريوهات الانهيار، في بلد يقف على شفير هاوية مالية لا يُعرف مدى قع

جاسم عجاقة - الديار

أقرأ أيضاَ

روابط القطاع العام تحذر من المساس بحقوق المتقاعدين والموظّفين

أقرأ أيضاَ

خمسة قرارات من وزير المالية.. هذه تفاصيلها